يشير نظام صحي متوافق مع رؤية 2040، وثقافة متنامية للنقاش العام، وتعيين عماني في منصب قيادي عالمي ضمن مجال الصحة النفسية، إلى أن هذا القطاع يدخل مرحلة أكثر ثقة.
لم تعد قصة عمان في الصحة النفسية مجرد مسألة توعية، بل أصبحت تعبر عن نضج مؤسسي. أطلقت السلطنة سياستها الصحية الوطنية الجديدة في أبريل 2025، وهي تضع الوقاية والرعاية الصحية الأولية والتقنيات الرقمية والتعاون بين المؤسسات العامة والخاصة ضمن نموذج أوسع يرتكز على رؤية عمان 2040. ووصفت وزارة الصحة هذه السياسة بخطوة مهمة نحو تعزيز نظام يعتمد على الاستدامة والجودة والوصول العادل.
يأتي ذلك أهميته من أن الصحة النفسية لا تتقدم عبر المستشفيات فحسب، بل تنتشر عبر المدارس والجامعات وأماكن العمل والأسر والمبادرات المجتمعية والأطباء والشخصيات العامة التي تجعل الحديث عنها أمراً طبيعياً. وقد أمضت عمان أكثر من عقد من الزمن في بناء هذا النظام البيئي الواسع، وأصبحت صاحبة السمو السيدة الدكتورة بسمة آل سعيد من أبرز رموزه.
وفي عام 2025، اكتسب هذا السجل المحلي بعداً دولياً، إذ انتخب الاتحاد العالمي للصحة النفسية السيدة بسمة نائبة رئيس إقليمي لشرق المتوسط للفترة 2025-2027، مما وضع متخصصة عمانية داخل قيادة إحدى أعرق المنظمات الدولية في هذا المجال.
من الدعوة الوطنية إلى التمثيل الإقليمي
لم يكن التعيين حدثاً منعزلاً. فقد أسست السيدة بسمة مركز «همسات السكينة» في مسقط عام 2011 بعد خبرة تراكمت في العمل الحكومي والأكاديمي والممارسة الخاصة. ويصف الاتحاد العالمي للصحة النفسية المركز بأنه أول عيادة نفسية خاصة في عمان تركز على الرعاية السريرية والتواصل المجتمعي معاً، ويحسب لها أكثر من 26 عاماً في المجال.
يتناسب هذا المزيج بين الممارسة السريرية والمشاركة العامة مع التوجه الصحي الحالي لعمان. تتبنى السياسة المحدثة للوزارة نهجاً عابراً للقطاعات، إذ تدرك أن النتائج الصحية لا تعتمد على النظام الطبي الرسمي فقط. كما تركز أعمال تنفيذ رؤية 2040 على الرعاية الصحية المتقدمة والخدمات الوقائية والعلاجية وبناء القدرات الوطنية والبحث والابتكار الصحي.
يفتح ذلك المجال أمام نموذج عماني خاص في الصحة النفسية: علاج مهني يدعمه التثقيف المجتمعي والتواصل المستمد من الثقافة المحلية والشراكات التي تجعل الرفاه النفسي جزءاً أساسياً من الصحة العامة وليس موضوعاً منفصلاً.
حوار عام مدعوم بمؤسسات
باتت الشبكة المؤسسية المحيطة بالموضوع واضحة. في أكتوبر 2025، نظمت كلية التمريض بجامعة السلطان قابوس المنتدى الوطني للصحة النفسية تحت عنوان «الصحة النفسية والإدمان: نحو مجتمع واعٍ ومرن»، برعاية السيدة بسمة. جمع الحدث جهات الصحة والتعليم مع اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات والمواد المؤثرة على النفس والشرطة السلطانية العمانية وجمعية الرؤية الإيجابية.
تكمن الأهمية لا في عقد مؤتمر جديد، بل في الجهات التي شاركت. فقد عولجت الصحة النفسية كأولوية اجتماعية وصحية مشتركة تجمع الأطباء والمربين ومتخصصي الوقاية والمنظمات المجتمعية وجهات إنفاذ القانون. وهذا بالضبط النمط من البنية العابرة للقطاعات الذي تشجع عليه السياسة الصحية الوطنية.
ثمة تمييز مفيد في هذا السياق. لا تحتاج عمان إلى تقليد المصطلحات أو النماذج الغربية الكبرى لإثبات تقدمها. بل تكمن ميزتها في قدرتها على دمج الممارسات السريرية الدولية مع الهياكل العائلية المحلية والقيم الثقافية والمؤسسات الوطنية التي تحظى بثقة عامة كبيرة.
فرصة عمان في القوة الناعمة
يفتح تدويل الخبرة العمانية باب فرصة ثانية. يضم إقليم شرق المتوسط مجتمعات تختلف أنظمتها الصحية اختلافاً كبيراً، لكنها تتقاسم أسئلة كثيرة حول الرعاية المناسبة ثقافياً ودور الأسرة ورفاهية الشباب والتعامل مع الصدمات وتعزيز الوعي العام بالصحة النفسية.
يعد احتفاظ متخصصة عمانية بمنصب نائب الرئيس الإقليمي أكثر من مجرد اعتراف شخصي. إنه يوفر للسلطنة قناة إ tamb إضافية تدخل من خلالها خبراتها إلى النقاشات السياسية والمهنية الإقليمية.
تبين أعمال السيدة بسمة العامة سبب قدرة هذا التمثيل على الانتشار. لم يعتمد نهجها على استيراد مصطلحات منفصلة عن الواقع، بل جمع بين العمل السريري والتواصل المجتمعي، واعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية التي تصل إلى جمهور يتجاوز جدران العيادة بكثير.
ومع ذلك، ينبغي التنويه بأمر واقعي: التعيينات الدولية والحملات العامة لا تغني عن العمل اليومي في تقديم الرعاية الصحية. وتعتمد قيمتها على قدرة هذه المعارف على بناء شبكات مهنية أقوى وبرامج وقائية ودعم عملي. وتتمثل ميزة عمان في أن هذه المبادرات أصبحت جزءاً من استراتيجية صحية وطنية مبنية على التعاون والتطوير طويل الأمد.
التصدير القادم قد يكون الخبرة
بالنسبة لدولة خليجية تسعى إلى التنويع، لا يقتصر النفوذ الدولي على رأس المال أو اللوجستيات أو الطاقة. يمكن للخبرة الصحية أن تصبح عنصراً من عناصر القوة الناعمة الوطنية.
تملك عمان الأساس المؤسسي بالفعل: سياسة صحية وطنية مصاغة حول رؤية 2040، وجامعات تعقد منتديات متعددة التخصصات حول الصحة النفسية، ونقاش عام متسع، ومتخصصة عمانية تمثل شرق المتوسط في الاتحاد العالمي للصحة النفسية.
لذلك فالقصة أكبر من نجاح طبيبة واحدة. إنها عن نتيجة سنوات من الدعوة المحلية التي بدأت تولد مصداقية إقليمية. أمضت عمان مرحلتها السابقة في تطبيع الحديث عن الصحة النفسية، والفرصة الآن تكمن في تحويل هذه التجربة إلى خبرة يتوجه إليها الإقليم الأوسع في مسقط.
EN