نشرت «الشرق الأوسط» تقييماً يوم الأحد اقتبست فيه من الدكتور أحمد بن ناصر الراجحي، نائب رئيس الجمعية الاقتصادية السعودية، الذي وصف المرونة الاقتصادية بأنها عملية متعددة المراحل تبدأ بالتنبؤ بالصدمات مروراً بالامتصاص والتعافي والتكيف وإعادة التوجيه نحو مسار نمو جديد. ورأى الراجحي أن القوة الاقتصادية الحقيقية لا تكمن في حجم المخازن المالية بقدر ما تكمن في القدرة على نشر هذه الموارد بكفاءة مع توسيع مصادر الإنتاج والنمو والتمويل. واستشهد بأداء المملكة العربية السعودية الأخير كدليل على التقدم، مشيراً إلى أن الأنشطة غير النفطية واصلت التوسع حتى عندما ضعفت أسعار النفط أو إنتاجه. وأضاف المقال أن هذه الأنماط تشير إلى تزايد استقلالية المحركات غير النفطية، إذ ساهم ذلك في خفض حصة القطاع النفطي من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 20%.
وقال الراجحي لـ«الشرق الأوسط» إن الاقتصاد غير النفطي نما بنحو 5% سنوياً بين عامي 2016 و2019 رغم انخفاض أسعار النفط، ثم تكرر معدلات نمو مشابهة بين 2022 و2025 رغم ضعف نتائج القطاع النفطي. ووجد تقييم أجراه موظفو صندوق النقد الدولي في يونيو 2026 أن المملكة دخلت العام بزخم قوي بعد نمو إجمالي بنسبة 4.5% في 2025، مدعوماً بطلب داخلي قوي وتخفيف تدريجي لتخفيضات «أوبك+» السابقة. وأشار تقرير الصندوق إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي توسع باطراد في السنوات السابقة، مدفوعاً بالاستهلاك الخاص والاستثمار وقطاعات مثل التجزئة والضيافة والبناء. وذكرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء المشار إليها في مقال «الشرق الأوسط» أن صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بلغ 19.1 مليار ريال سعودي في الربع الثاني من 2026، وهو رقم رآه الراجحي تأكيداً على جاذبية الاقتصاد رغم التحديات الإقليمية.
وقال الدكتور عبدالله المير، الأستاذ المساعد في الاقتصاد بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، للصحيفة ذاتها إن المرونة تعتمد على التنويع الهيكلي والمخازن المالية وأسواق رأس المال المحلية العميقة وتطوير الموارد البشرية والمؤسسية وروابط التجارة والاستثمار المتنوعة. وأبرز المير كيف سمحت الاستثمارات في البنية التحتية اللوجستية والطاقة، بما في ذلك خط الأنابيب الشرقي-الغربي الممتد إلى ينبع على البحر الأحمر، باستمرار تصدير النفط عندما تعرض المرور عبر مضيق هرمز للقيود في وقت سابق من هذا العام. وخلص تحليل للمجلس الأطلسي نشر في سبتمبر 2026 إلى أن الاحتياطيات المالية السعودية وقدرتها على الاقتراض ومستويات الدين السيادي المتواضعة ستتيح للمملكة تحمل حتى سيناريو متطرف يقضي بصفر صادرات نفطية لبقية عام 2026، وإن كان ذلك بتكلفة كبيرة على الاستهلاك والاستثمار. وأضاف التقييم أن هذه المخازن تعكس اقتصاداً أكثر تطوراً بكثير مما كان عليه قبل عقد من الزمن.
ولاحظ بيان بعثة صندوق النقد الدولي في يونيو 2026 أن الاقتصاد السعودي أظهر مرونة من خلال إعادة توجيه الشحنات وتخفيف الاختناقات اللوجستية بعد اندلاع النزاع في الشرق الأوسط الذي قلص حركة الملاحة البحرية. وردت السلطات بإجراءات دعم مؤقتة ومستهدفة مع الحفاظ على خطط التوحيد المالي متوسطة الأجل المرتكزة على نمو الإيرادات غير النفطية والانضباط في الإنفاق. وشكلت تعديلات صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026-2030، التي تتجه نحو تخصيص رأس المال بشكل أكثر انتقائية وزيادة مشاركة القطاع الخاص، جزءاً من هذا التعديل وفقاً لمديري الصندوق. وتبني هذه الخطوات على الإصلاحات منذ 2016 التي أرجع إليها تقرير عمل لصندوق النقد الدولي في يناير 2026 الفضل في تضييق الفجوات الهيكلية في تنظيم الأعمال وأسواق العمل والحوكمة.
وتظهر أحدث بيانات البنك المركزي أن الأصول الأجنبية لا تزال وفيرة، مما يوفر تأميناً إضافياً ضد الضغوط الخارجية المطولة. وذكرت «الشرق الأوسط» أن مزيج هذه الأدوات سمح لنمو القطاع غير النفطي بأن يظل المحرك الرئيسي حتى مع استمرار تقلبات القطاع النفطي. وحذر الخبراء الذين استُشيروا في المقال من أن استمرار الزخم يتطلب مواصلة ربط التعليم والمهارات باحتياجات سوق العمل، وتعميق تطوير الأسواق المالية، وتسريع تبني تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي. ودعا صندوق النقد الدولي مراراً إلى استكمال إصلاح دعم الطاقة مع حماية الأسر الضعيفة لترسيخ الاستدامة المالية على مدى العقد المقبل.
EN